أعلن رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي أنه لن يبقى في منصبه بعد انتهاء ولايته عام 2030، واقترح برنامجًا يمتد 30 شهرًا تتولى فيه الأكاديمية العسكرية إعداد قيادات مستقبلية، من بينها، بطبيعة الحال، مرشحون محتملون للرئاسة. وأعاد هذا المقترح قضية الخلافة السياسية إلى دائرة النقاش في مصر، وأثار احتمالًا يبعث على القلق، يتمثل في إعداد رئيس جديد داخل إحدى مؤسسات السلطة التنفيذية نفسها، دون وضوح العلاقة بين البرنامج وحرية الترشح وشروط المنافسة الانتخابية. وفي هذا السياق، يستعرض الكاتب محمد العجاتي تجارب الانتقال الديمقراطي في البرازيل وتشيلي، بحثًا عما يمكن أن تكشفه عن مستقبل الانتقال السياسي في مصر.

 

وبحسب مقال رأي نشره موقع المنصة، لا تمثل تجربتا البرازيل وتشيلي نموذجين جاهزين للتطبيق في مصر، لكنهما تطرحان أسئلة مهمة بشأن إمكان بدء الانتقال السياسي وفق الشروط التي تضعها السلطة القائمة، ومدى تأثر نتائجه بالتفاعل بين مؤسسات الدولة والقوى السياسية والاجتماعية. فكيف يمكن أن يبدأ الانتقال من داخل النظام الحاكم، بينما تتحدد مآلاته النهائية وفق موازين القوى وقدرة الأطراف المختلفة على التنظيم والمشاركة؟

 

 

انفتاح سياسي محسوب.. حين تفقد السلطة السيطرة على مسار الانتقال

 

أطلق القادة العسكريون في البرازيل عام 1974 عملية انفتاح سياسي، على أمل إدارة خروج تدريجي من الحكم مع الحفاظ على نفوذهم. وعندما انتهى الحكم العسكري المباشر عام 1985، لم يحدث ذلك عبر انتخابات رئاسية مباشرة، بل من خلال مجمع انتخابي اختار تانكريدو نيفيس، مرشح تحالف ضم شخصيات معارضة معتدلة ومنشقين عن حزب النظام الحاكم نفسه.

 

لكن نيفيس مرض وتوفي قبل توليه المنصب، فانتقلت الرئاسة إلى نائبه جوزيه سارني، أحد أبرز المدنيين الداعمين للنظام العسكري. وهكذا انتقلت السلطة إلى مدني ينتمي إلى المعسكر القديم، بموجب تسوية أبقت جزءًا من نفوذ النخبة السابقة قائمًا.

 

أما في تشيلي، فسعى الجنرال أوجستو بينوشيه إلى هندسة انتقال سياسي مختلف. فقد نص دستور عام 1980 على إجراء استفتاء عام 1988 لتحديد ما إذا كان سيبقى في منصبه، مع ضمانات مؤسسية تحمي نفوذ الجيش. غير أن المعارضة حولت الاستفتاء إلى منافسة سياسية حقيقية، وفازت فيها، إذ رفض الناخبون استمرار بينوشيه، وانتُخب رئيس مدني عام 1989. ومع ذلك، ظل بينوشيه قائدًا للجيش حتى عام 1998، واستمرت القيود الدستورية المفروضة على سلطات المسؤولين المنتخبين.

 

فماذا تكشف التجربتان عن المقترح المصري؟ وهل يمثل إعداد المرشحين عبر الأكاديمية العسكرية وسيلة لتجديد النخبة الحاكمة، أم جزءًا من عملية سياسية أوسع؟ لا تتوقف الإجابة على الخلفية المدنية أو العسكرية للرئيس المقبل بقدر ما ترتبط بمدى استقلاله الفعلي، وحرية المنافسة الانتخابية، وقدرة القوى السياسية المختلفة على تقديم مرشحيها.

 

وتوضح تجربتا البرازيل وتشيلي أن السلطة قد تضع قواعد الانتقال، لكنها لا تضمن التحكم في نتائجه عندما تتغير موازين القوى.

 

 

من الاحتجاج إلى المشاركة.. كيف صنعت القوى الاجتماعية نفوذها؟

 

لم يكن الانتقال في أي من البلدين مجرد تفاوض بين النخب السياسية. ففي البرازيل، شهدت أواخر سبعينيات القرن العشرين موجات واسعة من الإضرابات، برز خلالها لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بوصفه قائدًا نقابيًا لعمال المعادن. وفي عام 1980، أي قبل خمس سنوات من انتهاء الحكم العسكري، ساهم في تأسيس حزب العمال.

 

استغل الحزب مساحة الانفتاح المحدودة للمشاركة في انتخابات عام 1982، ووسّع حضوره تدريجيًا في المجالس التشريعية والحكم المحلي. وفي الوقت نفسه، دفعت النقابات والحركات الشعبية نحو حملة عام 1984 المطالبة بإجراء انتخابات مباشرة، وأسهمت النقاشات السياسية والاجتماعية التي أعقبت ذلك في صياغة دستور عام 1988.

 

وفي تشيلي، جاء استفتاء عام 1988 بعد سنوات من الاحتجاجات والإضرابات، ولا سيما منذ عام 1983، بمشاركة النقابات والحركات الطلابية ومنظمات حقوق الإنسان والأحياء العمالية. وأسهم هذا الحراك في إعادة بناء الحياة السياسية، ومنح التحالف الذي واجه بينوشيه قاعدة اجتماعية واسعة، رغم اختلاف الحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية بشأن حدود التسوية المقبولة مع النظام.

 

ولم تبدأ مصر هذه المرحلة من فراغ. فقبل عام 2011، شهدت البلاد موجات من الاحتجاجات العمالية، خاصة في المحلة الكبرى، إلى جانب النقابات المستقلة والحركات السياسية والحقوقية التي وسّعت المجال العام. لكن السنوات اللاحقة ضيّقت المساحة المتاحة أمام التنظيمات المستقلة للحفاظ على استقلالها واستمرار تحالفاتها.

 

وتشير دراسة مقارنة بين مصر والبرازيل إلى أن الفارق لم يكن في وجود الاحتجاجات العمالية أو غيابها، بل في قدرة التنظيمات المستقلة على الاستمرار وتحويل الحراك الاجتماعي إلى نفوذ سياسي.

 

وهنا يبرز السؤال بشأن مصير الخبرات التنظيمية السابقة: هل تتيح المرحلة المقبلة إعادة بناء النقابات والأحزاب والحركات الاجتماعية وتعميق صلاتها بالمجتمع، أم ستُختزل المشاركة السياسية في التنافس على منصب الرئاسة؟

 

 

«السعادة قادمة».. بناء الأمل وتقديم بديل سياسي قابل للحياة

 

تقدم تجربة تشيلي درسًا مهمًا في هذا السياق. فقد أدرك تحالف المعارضة الذي خاض استفتاء عام 1988 أن تذكير الناخبين بالقمع والانتهاكات، رغم أهميته، لا يكفي وحده لكسب من يخشون الفوضى أو فقدان الاستقرار.

 

لذلك اختارت حملة التصويت بـ«لا» شعار «السعادة قادمة»، مقدمةً التغيير باعتباره فرصة لبناء مستقبل أفضل، لا مجرد مواجهة مع الماضي. وهي الحملة التي تناولها المخرج بابلو لارّين في فيلمه «لا».

 

وفي البرازيل، جمع حزب العمال بين المطالب الاجتماعية المباشرة والعمل الانتخابي، وطوّر برنامجه وتحالفاته عبر سنوات من المشاركة وتكرار الخسارة. خاض لولا انتخابات حاكم ولاية ساو باولو عام 1982، ووصل إلى جولة الإعادة في أول انتخابات رئاسية مباشرة عام 1989، ثم خسر مجددًا في عامي 1994 و1998، قبل أن يفوز بالرئاسة عام 2002.

 

لم تضمن المشاركة المتكررة الفوز، لكنها منحت الحزب قوة تنظيمية وانتخابية، وأتاحت له تطوير برنامجه السياسي تدريجيًا.

 

وبالنسبة إلى مصر، يبرز سؤالان أساسيان. يتعلق الأول بما إذا كانت التجارب الانتخابية السابقة، بما فيها محاولات المرشحين الذين خاضوا المنافسة في ظل تفاوت الفرص، قد خلّفت برامج وكوادر وتنظيمات قادرة على الاستمرار. أما الثاني فيتعلق بالخطاب السياسي؛ فالانتقاد وحده لا يجيب عن مخاوف المواطنين بشأن الاقتصاد والاستقرار والخدمات العامة، لكن طمأنتهم لا ينبغي أن تكون بديلًا عن طرح قضايا الحرية والمساءلة وتكافؤ الفرص.

 

 

وعود الانتقال وحدودها

 

تكشف تجربتا البرازيل وتشيلي أن الانتقال الذي يبدأ من داخل النظام الحاكم قد يسلك مسارات متباينة للغاية؛ فقد لا يتجاوز تغيير القيادة، وقد يفتح المجال لإعادة تشكيل المؤسسات والعلاقات السياسية. وتتوقف النتيجة على خيارات أصحاب السلطة، واستقلال المؤسسات، وحجم المشاركة الاجتماعية، وقدرة القوى السياسية على التنظيم والتنافس.

 

ويتمثل الدرس المشترك الأوضح في أن لحظات الانتقال لا تبدأ من الصفر. ففي البلدين، سبقت نهاية الحكم العسكري سنوات من بناء التنظيمات، وتطوير البرامج، والحراك الاجتماعي، والخبرة الانتخابية، حتى عندما بدت فرص النجاح محدودة.

 

لذلك، ينبغي ألا يقتصر النقاش بشأن مصر عام 2030 على هوية الشخص الذي سيخلف الرئيس. فالسؤال الأوسع هو ما إذا كانت ستوجد قوى سياسية واجتماعية وبرامج بديلة موثوقة قادرة على التأثير في المرحلة المقبلة، أم سيظل الانتقال محصورًا في اختيار قيادة جديدة.

 

لا تقدم تجربتا البرازيل وتشيلي إجابة جاهزة عن مستقبل مصر، لكنهما توضحان أن من يخططون لنقل السلطة من أعلى لا يستطيعون وحدهم تحديد شكل النظام الذي سيأتي بعدها.

 

Beyond El-Sisi, what Brazil and Chile teach Egypt about transition | Al Manassa